بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصداق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، ولازلنا في موضوع الحسد، ولكن حينما تجد في القرآن الكريم الذي هو كلام الله، والذي تعبَّدنا الله بتلاوته، والذي يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، حينما تجد موضوعاً في القرآن الكريم فهو من الأهمية بمكان، كتاب يتلى إلى آخر الدوران، وفيه موضوعات، هذه الموضوعات أساسية جداً في حياة الإنسان، لذلك حينما ذكر الله الحسد في أربع آيات في كتاب الله معنى ذلك أن الحسد يحتل مساحة كبيرة جداً، العلاقات بين بني البشر، وأن مشكلات لا تنتهي، وأن حروباً لا تنتهي أساسها الحسد، وأن خصومات بين الأسر وبين حالات طلاق وبين انفصام شركات أساسها الحسد.
فلذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان حينما يراقب نفسه، وحينما يتعاهد قلبه، وحينما يبلغ درجة الوعي والتأمل لحال قلبه يكون قد قطع مسافةً جيدة في طريق سلامته وسعادته، أحياناً الإنسان ـ بالتعبير الحديث ـ بعقله الباطن يحسد دون أن يشعر، وبسبب حسده ينتقم، وبسبب حسده يقسو، وبسبب حسده يتحرك ليوقع الأذى بأخيه، وحينما يرى الأخ أن أخاه ناله بالأذى تنشأ العداوة والبغضاء، ولا شيء يخدم الشيطان كالعداوة والبغضاء بين المؤمنين، الحسد مع السلوك مع القسوة يرافقه الغيبة والنميمة هو الذي يفتت المجتمع.
لكن أيها الإخوة الكرام، حينما نبحث عن صفات الحاسد فهذا البحث مفيد جداً، لأنه مقياس وإنذار مبكر، الله عز وجل يقول:
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، ولازلنا في موضوع الحسد، ولكن حينما تجد في القرآن الكريم الذي هو كلام الله، والذي تعبَّدنا الله بتلاوته، والذي يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، حينما تجد موضوعاً في القرآن الكريم فهو من الأهمية بمكان، كتاب يتلى إلى آخر الدوران، وفيه موضوعات، هذه الموضوعات أساسية جداً في حياة الإنسان، لذلك حينما ذكر الله الحسد في أربع آيات في كتاب الله معنى ذلك أن الحسد يحتل مساحة كبيرة جداً، العلاقات بين بني البشر، وأن مشكلات لا تنتهي، وأن حروباً لا تنتهي أساسها الحسد، وأن خصومات بين الأسر وبين حالات طلاق وبين انفصام شركات أساسها الحسد.
فلذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان حينما يراقب نفسه، وحينما يتعاهد قلبه، وحينما يبلغ درجة الوعي والتأمل لحال قلبه يكون قد قطع مسافةً جيدة في طريق سلامته وسعادته، أحياناً الإنسان ـ بالتعبير الحديث ـ بعقله الباطن يحسد دون أن يشعر، وبسبب حسده ينتقم، وبسبب حسده يقسو، وبسبب حسده يتحرك ليوقع الأذى بأخيه، وحينما يرى الأخ أن أخاه ناله بالأذى تنشأ العداوة والبغضاء، ولا شيء يخدم الشيطان كالعداوة والبغضاء بين المؤمنين، الحسد مع السلوك مع القسوة يرافقه الغيبة والنميمة هو الذي يفتت المجتمع.
لكن أيها الإخوة الكرام، حينما نبحث عن صفات الحاسد فهذا البحث مفيد جداً، لأنه مقياس وإنذار مبكر، الله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(118)﴾
إذا تفوقت طُعِنتَ في الظهر، إذا تفوقت هناك من يقول: إخلاصه ليس جيداً، هناك من يقول: لقد حققت مصلحة مادية من عمله، بل إن الناس الذين التقوا بالأنبياء وهم قمم البشر، وهم من الكمال بحيث لا يصدق، قالوا لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تتفضلوا علينا.أنتم همّكم الاستعلاء، هذه تهمة اتهم بها الأنبياء، فالحسود لا يفتأ يبخس عمل المتفوق، لا يفتأ يطعن في نيته، لا يفتأ يطعن في إخلاصه لا يفتأ يقلل من قيمة عمله، هذا شأن الحسود، فالصفة التي ذكرها القرآن الكريم:
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(118)﴾
صفة أخرى بينها القرآن الكريم من صفات الحاسد، وأنا متأكد أن الإنسان أحياناً يحسد دون أن يشعر، يحسد فيتجه إلى الطعن بالآخرين , إلى بخس عملهم، وإلى التقليل من شأنهم، وإلى إلصاق التهم بهم دون أن يشعر بدافع الحسد، قال تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾
حينما يحسد الإنسان يأخذ وجهين حفاظاً على مكانته وسمعته، إذا التقى بإنسان تفوق عليه يهنئه، ويقول: نحن نعتز بك، لكن حينما ينطوي على نفسه يتألم ألماً لا حدود له، وفي غيبته يطعن به، هذه مشكلة المسلمين حينما يضعف إيمانهم، فيفشوا بينهم الحسد والضغينة.صفة أخرى من صفات الحسود، قال تعالى:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
إن جاءكم الخير يتألمون، وإن جاءتكم المصائب تترى يفرحون، إذاً هم في خندق آخر، هذه الفكرة شرحتها مرة، هل تجد على وجه الأرض من دون استثناء أُمًّا تفرح بسقوط ابنتها؟ بفضيحة ابنتها ؟ مستحيل، إلا أنك إن رأيت امرأة تفرح بفضيحة ابنتها فاعلم أنها ليست ابنتها، ولا يمكن أن تجد مؤمناً يفرح بمصيبة نزلت بالمؤمنين، أو يتألم بخير أصاب المؤمنين، فإن فعل هذا فاعلم أنه ليس مؤمناً، الإنسان حينما يحسد يضع نفسه في خندق المنافقين، علامة النفاق الحسد، وعلامة الإيمان الغبطة.صدق أيها الأخ أن أخاً لك أصابه خير إن لم تفرح له، وكأن الخير أصابك فأنت لست بمؤمن، إن لم تفرح له بهذا الخير فأنت لست بمؤمن، هذا كلام دقيق جداً أسوقه في هذا الموضوع، إن لم تفرح لخير أصاب أخاك فلست بمؤمن، إن لم تتألم لمصاب أصاب أخاك فلست بمؤمن.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
من صفات الحاسدين في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)﴾
تعرفهم في لحن القول، سبحان الله ! الإنسان حينما يخفي شيئاً يظهر بفلتات لسانه، أراد رجل أن يمدح إنساناً لمصلحة، لكنه لا يحبه، بل يبغضه، بل يحسده، فقال: أحبُّ الصالحين ولستَ منهم، هي: ولستُ منهم، البيت الذي قاله الشافعي:
أحب الصالين ولستُ منهـم لـعلّي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كن سواءً في البضاعة
***
ماذا قال ؟ أحب الصالحين ولستَ منهم، هذه فلتة لسان عبرت عن مكنون هذا الإنسان، إذاً لحكمة أرادها الله عز وجل الغيظ والحقد والحسد الذي ينطوي عليه الإنسان يظهر من فلتات لسانه، قال تعالى: وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كن سواءً في البضاعة
***
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)﴾
بسيماهم أي صفحة الوجه، أيضاً لحكمة بالغة بالغة جعل الله وجه الإنسان مرآة قلبه، وهناك أناس عندهم خبرة عالية، أنت حينما تغتاظ يظهر الغيظ على صفحة وجهك، وحينما تتألم يظهر الألم على صفحة وجهك، وحينما تظهر شيئاً مفرحا تظهر ابتسامة ساخرة على ملامح وجهك، الوجه مرآة القلب، وما من شيء يضمره الإنسان في قلبه إلا ويظهر في طريقتين، يظهر في صفحة وجهه، وعلى لسانه، فلتات اللسان تعبر عن حقيقة القلب، وصفحة الوجه كذلك، لذلك أحياناً تظهر على وجه تراه ملائكياً بريئًا طاهرًا لا يحمل حقداً، ولا غلاً، ولا حسداً، ولا شيئاً من هذا القبيل، فالوجه مرآة القلب.مرة سيدنا عثمان ـ هكذا يروى ـ دخل على مسجده رجل قد ارتكب الزنا، فقال: أيزني أحدكم، ويأتي إلى المسجد ؟ فدهش الصحابة، قالوا: أوحي بعد رسول الله ؟ قال: لا، ولكنها فراسة صادقة.
ترى الشهواني وجهه أزرق، المؤمن الطاهر وجهه منير مشرق، لكن أنا أتمنى ألاّ يستعملها أحد، قد تكون ضعيف الإحسان، وقد تكون ضعيف الخبرة فتتهم إنسانًا من دون دليل، هذا شيء لا يمكن أن يتخذ دليل قضيةِ الفراسة وقضية الإشراق، وأحياناً تجد إنسانًا لونه أبيض، ودائماً يشرب عصيرًا، وينام خمس ست ساعات كل يوم، ترى وجهه مثل البدر، ما شاء الله على هذا الصلاح، يكون أكبر مجرم، ممكن، وقد تجد إنسانًا ملوّنًا، ولكن الطهر والبراءة في وجهه وكأنه بدر، والله، القضية ليست قضية مادية، أن اللون أبيض، وعلى كل خد وردة، وفيه تألق، وعين زئبقية، ليس هذا هو المقياس، المقياس أن إنسانا حينما يتصل بالله عز وجل تظهر البراءة على وجهه، والإشراق على وجهه، قال تعالى:
﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
أيها الإخوة الكرام، كلام دقيق، أن المنافق حسود، وأن الحسود منافق، وهناك تطابق بين صفات المنافق وبين صفات الحسود، فحينما تحسد فهذا الحسد يدل على أنك في خندق المنافقين، لأن المؤمنين بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم.أحد كبار المفسرين، الإمام القرطبي يقول: " الحاسد بارزَ ربَّه من خمسة أوجه" ـ تطاول على الذات الإلهية من خمسة أوجه ـ أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره ـ والله يا أيها الإخوة هناك نماذج بشرية لا يتحمل أحد أن يكون أحسن منه، وحينما يشعر، وهذا في النساء أكثر، وحينما يشعر أن فلانًا أحسن منه دون أن ينتبه يطعن به، يستصغره، يحتقره، يبحث عن نقائصه، وكأنه قناص، وينسى كل فضائله، قال: " هذا الحاسد أبغض كل نعمة ظهرت على غيره، وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه.
قل لي من بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبا
أسأت إلى الله في فعلـه إذ لم ترض لـي ما وهـبا
***
إنك تطعن بحكمة الله عز وجل.أسأت إلى الله في فعلـه إذ لم ترض لـي ما وهـبا
***
ثالثها: أنه ضاد فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يتمنى ألاّ يؤتى هذا الإنسان فضل الله حسداً من عند أنفسهم.
رابعها: أنه خذل أولياء الله، الإنسان قد يتفوق، قد يأخذ الله بيده، الذي يحسده لا يريد لهذا الخير أن ينتشر، هو يقطع السبيل إلى الله، مثلاً: اثنان على مقاعد الدراسة، أحدهما تفوق في الدعوة إلى الله، والثاني بقي في مرتبة دنيا اجتماعية، ما درس، ولا اهتم، ولا اعتنى بقلبه، ولا اعتنى بعلمه، ولا طلب العلم، ولا حمل هم المسلمين، فلو أن هذا الرفيق الثاني الذي أهمل قلبه، وأهمل علمه، ولم يتحرك لخدمة المسلمين سمع أن شاباً يحضر دروس هذا الصديق الذي كان صديقه مباشرةً يطعن به، مباشرة ينصحه ألاّ يتابع دروسه، لماذا ؟ أنت لك أن تحل محله ؟ لا، قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
ترى كلام الناس أحياناً أربعة أخماسه كلام شياطين، يكون الشاب شاردًا، التقى بصديق دله على جامع، التزم، غض بصره، ضبط لسانه، صلى، صلى قيام الليل، قرأ القرآن، حفظ كتاب الله، قُلِب مئة وثمانين درجة، يأتي صديق الشيخ الذي هو عنده فيقول له: هذا الله يصلحك ! ما وجدت غيره ؟ ماذا تريد منه ؟ هذا جاهل، بلا دليل، حسداً من عند أنفسهم.أيها الإخوة الكرام، الحاسد خذل أولياء الله، أو أراد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم، الحاسد أعان عدو الله إبليس على تحقيق مراده، لأن إبليس يقطع ما أمر الله به أن يوصل، مهمة إبليس الأولى أن يقطع ما أمر الله به أن يوصل، وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
موضوع الحسد خطير جداً، لأن هذا المرض الأول الذي يفشو بين ضعاف الإيمان، ترى المجتمع ممزقًا مشرذمًا، في البيت الواحد حسد، بين الإخوة حسد، بين الزملاء حسد، بين الأقرباء حسد، بين سكان القرية حسد، بين أصحاب الحرفة حسد، شيء لا ينتهي، عداوات، ومشاحنات، وطعن، واتهامات، وعدوان.
أيها الإخوة الكرام، بعض العلماء أحصى صفات الحاسدين في بنود فقال: الحسود دائم السخط على أقدار الله، أينما جلس يشتكي، أينما جلس يتبرم، أينما جلس هو متشائم، لأن الحسد أكل قلبه، ولأن الحسد قطعه عن الله عز وجل، سخط من فضل الله عز وجل الذي آتاه لزيد أو عبيد.
أنا تحدثت في درس سابق أنه من مستويات الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك، المستوى الأسوأ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، المستوى الأسوأ أن تكتب تقريرًا، أو أن توغر صدر فلان من أجل أن تزول هذه النعمة عن أخيك، شيطان يحرك الناس وهم لا يشعرون، إنما تخدم كيد الشيطان، دائماً الحسود أحد جنود إبليس.
إذاً متبرم، ساخط.
والله مرة التقيت بإنسان من شدة تبرمه وسخطه وتشاؤمه وسوداويته وانتقاداته شيء لا يحتمل، تجلس معه فتكاد لا تتحرك من الوهن الذي أصابك، هذا الإنسان عنده بيت خمسمئة متر، عنده مركبة، وتجارة كبيرة، مرة التقيت بإنسان أيضاً من شدة تبرمه لا يحتمل أن يبقى مع الناس، ولا أن يسكن هذه البلدة، فلما لاح له شبح مرض عضال اختلف اختلافًا كليًّا.
أحياناً أيها الإخوة الكرام، الإنسان يتشكى بلا سبب مبرر، أنا أخشى على هذا الإنسان أن يتشكى بعد حين لسبب مبرر، لا يوجد عنده مشكلة، صحته جيدة، زوجته جيدة أولاده أصحاء، بيته ملكه، دخله جيد، عنده مركبة، يتشكى، وإلى متى ؟ لذلك هذا الإنسان علاجه أن تأتيه مصيبة حقيقية تستدعي أن يتشكى، إذا شكر إنسان الله عز وجل، لك مأوى، وكم من لا مأوى له، تتمتع بحواسك الخمس، وكم ممن لا يتمتع بحواسه، لك زوجة، وكم إنسان محروم من الزواج، ما تمكن أن يتزوج، أو امرأة لها زوج، أيّة امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رائحة الجنة.
إخواننا الكرام، أتمنى عليكم أن تعدوا نعم الله، لا أن تتحدثوا عما ينقصكم، أن تتحدثوا عما بين أيديكم، مثلاً نعمة قد لا ينتبه إليها أحد، أن زوجتك شريفة، تسافر خمسة أيام لا يخطر ببالك لثانية أن إنسانًا دخل البيت، ولما ألتقي مع إنسان يشكّ في زوجته أراه كالبركان، يكاد ينفجر، أنت عندك نعمة كبيرة، أن زوجة شريفة لا يمكن أن تخونك، ولا بنظرة، ولا بكلمة، هذه نعمة كبيرة جداً، نعمة ثانية أنك تتمتع بصحة، اسأل إنسانًا لاح له شبح مرض خبيث، أو مرض عضال، يتمنى أن يكون دخله محدوداً، يتمنى أن يكون ساكنًا في بيت أجرة، يتمنى أن يفقد كل ميزاته.
واللهِ صديق صديقي درس في فرنسا، وجاء إلى هنا، واعتلى منصباً رفيعاً جداً في إحدى الوزارات، معاون وزير، وتزوج امرأة تروق له، وعنده مركبة، وبيت، ومكانة، وشأن، فَقدَ بصره، خلال شهر يأتيه الموظف بالبريد، يقرأ له المعاملة، ويعطيه التوجيه، مرة زاره صديقه، قال له: و الله يا فلان، أتمنى أن أقبع على الرصيف أتسول، وليس لي من الدنيا إلى هذا المعطف، وأن يرد الله لي بصري، لا يريد دكتوراه، ولا معاون وزير، ولا بيت بالمالكي، ولا سيارة، يريد بصره أن يرده الله إليه.
إذا كنت بنعمة البصر والسمع، وعندك زوجة وأولاد، وتسكن بمنزل، ولك دخل يغطي حاجاتك الأساسية فاشكر الله عز وجل، وكلما شكرته زادك نعمة، وكلما شكرك حصنك من ضياع النعمة، الحسود دائم التشكي، الحسود قليل الشكر لله عز وجل، ولو ملك الدنيا بأسْرها، الحسود يتتبع العثرات، ويلتمس الأخطاء، ويظهرها في المجالس، ويضخمها، قناص لا همّ له إلا الحديث عن أخطاء الناس، الحسود يخفي المحاسن: اللهم إن أعوذ بك من جار سوء، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر.
الحسود يخفي المحاسن والمميزات في المحسود.
الآن، الحسود يستخدم المزاح والسخرية للتقليل من قيمة المحسود، كيف يشفي غليله ؟ بالسخرية والاستهزاء.
أيها الإخوة الكرام، في معظم الأحيان الحسود يتهم بلا دليل، الدليل حسده فقط، أو بدليل ضعيف، أو بدليل ظني، أو من دون تحقيق، أو من دون تريث، أو من دون سؤال، تهم لم يتحقق، لم يسأل، لم يتريث، لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
أهم شيء أنه ينتقد، ويوجه التهم من دون دليل.الآن، الحسود لا يدع فرصة لإيقاع الأذى بمن يحسده إلا وانتهزها، الحسود إنسان مضطرب، توازنه مختل، ويوجد غليان، الحقد والحسد مؤلم جداً، الحقد والحسد يجعلان الإنسان كالمرجل، بالمناسبة الحسود غالباً ما يكون كاذباً، يستخدم الكذب للنيل من المحسود.
أيها الإخوة الكرام، بشكل سريع، كيف يعالج الحسد ؟ قال بعض العلماء: يعالج بالإكثار من ذكر الله، والإلحاح في الدعاء، يا رب، اشفني من كل مرضٍ نفسيّ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يرد دعاؤهم، الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط.
إذا ذكر الإنسان الله كثيراً فلعل الله سبحانه وتعالى يشفيه من الحسد، أما العلاج العظيم للحسد:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
في نهاية الآية:
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
أنت عبد لله، وذاك عبد لله، كما أعطاه يعطيك، وكما رفعه يرفعك، وكما أكرمه يكرمك، وكما وفقه يوفقك، إله موجود، لذلك إذا تمنى أحدكم نعمة على أحد فليكثر، فإنما يسأل ربه، إذا تمنى الإنسان على ربه نعمة فليسأله بإلحاح، وليكثر، وإذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه، لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا...))
أما المؤمنون فيتصرفون على عكس تصرف الحاسد، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾
كان بعض الصحابة الكرام يطوف بالبيت، ويقول: ربي قنِي شح نفسي، ربي قنِب شح نفسي، وقيل: إذا وقيت شح نفسك فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة.علاج آخر، أول علاج أن تسأل الله من فضله، الذي أعطاه يعطيك، والذي كرمه يكرمك، والذي وفقه يوفقك، والذي أغناه يغنيك، والله رب الجميع، هذا علاج أول.
العلاج الثاني: أن تهتم بمعالي الأمور، وأن تنصرف عن سفاسفها، الإنسان الفارغ يحسد، عنده وقت، ليس له هدف، ما عنده رسالة يؤديها، لا يحمل هم المسلمين، تافه، التفاهة والفراغ، وعدم الاشتغال بمعال الأمور تدعو إلى الحسد، لذلك لا تجد بين عظماء الناس من يحسد، الوقت عنده ثمين جداً، وهدفه واضح، والوسائل واضحة لهدفه.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ))
وعلو الهمة من الإيمان:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(64)﴾
إذا كان الابن عمره أربع أو خمس سنوات، والده اشترى له سيارات صغيرة، فهذا الطفل أمسك هذه السيارة على أثاث البيت، يرافقها صوت من عنده، في الصعود يقوي الصوت، وهو غارق بسعادة لا توصف بهذه السيارة الصغيرة التي اشتراها له أبوه، ويمشيها على أثاث البيت، لو صورناه في الخمسة وأربعين سنة كان يحتل منصبًا رفيعًا جداً، وعنده دور في الحياة كبير، وأطلعناه على هذه الفيلم، هل يليق به أن يمسك سيارة ويمشي بها ؟هذا هو اللهو واللعب، إذا كان الإنسان بعيدًا عن الأهداف الكبرى تراه غارقًا في موازنات، فلان اشترى بيتًا، مساحته خمسمئة متر، والله هذا إسراف يا أخي، ماله همّ إلا أن يرى الناس ماذا اشتروا، وماذا أكلوا، وماذا أنفقوا ؟ هذا الاهتمام إلى ما عند الناس مشكلة كبيرة جداً، فلذلك الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾
قلت لواحد البارحة: الإنسان تتنامى خبراته، كلما تقدمت به السن صار ناضجًا يعرف كيف يتكلم، يعرف كيف يتصرف، كيف ينفق المال، كيف ينجو من متاهات ومن مطبات، فإذا بلغ ذروة النجاح والنضج يأتي ملك الموت، تفضل، بأعلى درجة من النجاح والنضج يأتيه ملك الموت، هذه الحياة هكذا.
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغرّ بطيب العيش إنسانُ
***
يروى أن إنساناً أراد أن ينتحر، القصة رمزية، جاءه ملك الموت، قال له: لا تنتحر، أنا أدلك على طريقة تكسب بها المال الوفير، اجعل نفسك طبيباً، قصة رمزية فقط، فإن رأيتني عند رأس المريض فإياك أن تعالجه، فإنه سيموت، وإن رأيتني عند قدميه فعالجه، ولا تخشَ شيئاً، سوف يشفى، فهذا أعطاه ملك الموت هذه الطريقة ربح أرباحًا طائلة، إن كان عند رأسه يقول: أعتذر، ليس اختصاصي، وإن كان عند قدميه يعالجه، يعطيه ماء ملونًا، ويتقاضى أجرًا كبيرًا، إلى أن مرضت بنتُ الملك، فقال الملك: من يشفها أزوجه إياها، ويكون ولي العهد، جاءها، فإذا ملك الموت عند قدميها، فعالجها، فشفيت، وأقيم عقد القران، وفي اليوم التالي سيتوج ولياً للعهد، جاءه ملك الموت، قال له تشرّف، قال له: الآن ؟ قال: والله سابقاً كان أهون.***
هذه الدنيا إن تفوقت بها بعد النضج، وأن تملك كل شيء، وأن تعرف التصرف يأتي ملك الموت، لذلك هي أحقر من أن تكون عطاءً لإنسان.
(( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقا الكافر منها شربة ماء ))
أنت حينما تهتم بمعالي الأمور تحمل رسالة، تسعى لطلب العلم، تسعى لنشر العلم، ليس عندك وقت تحسد أحدًا، لذلك عظماء الناس والناجحون في الحياة ليس عندهم وقت لهذه السفاسف كلها.العلاج الثالث: أن تعيش مع الصالحين، تعيش مع الصالح سنوات، لا يحسد أحدًا، متواضع، يشكر الله على نعمه التي أولاه الله إياها، تتعلم من أخلاق الصالحين الأدب والتواضع والبعد عن السفاسف، والالتفات إلى معالي الأمور، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ ))
آخر علاج أيها الإخوة الكرام: الإكثار من ذكر الموت، وأن هذا الموت ينهي كل شيء، وأن هذا الموت ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي ذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، يلغي وسامة الوسيم، و دمامة الدميم، كله ينتهي عند الموت، لكن هناك ملاحظة مهمة جداً، أنت حينما تبالغ بإظاهر ما عندك، وحينما تزهو على الناس بما عندك كأنك تبذر بذور الحسد في المجتمع، لا تحاول أن تخرج على قومك بزينتك، حاول أن تكون متواضعاً، وأن تكون بين الناس.
والحمد لله رب العالمين
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire